يوسف بن أبي بكر السكاكي

26

مفتاح العلوم

النظرية النقدية التي لا يريد أن تطبق بتلك الطريقة التقسيمية المنطقية الصارمة التي قام بها السكاكي ، بقدر ما يريد اعتبارها ووضعها في الحسبان عند نقد النصوص ، بحيث يعرف الناقد مواقع الحسن التي ترجع إلى اللفظ ، كالاستعارة والكناية ونحوهما ، ومواضعه التي ترجع إلى النظم من تقديم وتأخير وحذف وذكر وغير ذلك مما يتوخى فيه معاني النحو . فعبد القاهر لم يرد البتة بهذه النظرية أن تكون أساسا لتقسيم علوم البلاغة تلك القسمة المنطقية الصارمة ، وإلا - لو أراد ذلك - لفعله هو بنفسه ، ومثل عبد القاهر لا تنقصه الإمكانات التي تمكنه من إنفاذ ذلك التقسيم - لو أراده - على نحو أفضل من تقسيم السكاكي . وهنا قد يتساءل القارئ ، فيطرح سؤالا له وجاهته ، وهو إذا كان تقسيم السكاكي وعرضه لعلوم البلاغة منتقدا على هذا النحو ، فما هو العرض البديل الذي ينبغي تناول البلاغة من خلاله ، والذي يعين على لم شعثها ، وجمع شتاتها ؟ . ولما لم أر أحدا من المتأخرين بعد السكاكي قد أتى في ذلك بشيء يعوّل عليه ؛ لذا فقد تجشمت ذلك الأمر لأهميته ؛ ولكونه قد صار في حق أمثالي - ممن انتصب لتدريس تلك المادّة - فرض عين ، وإلا فكيف نكرر على أسماع طلابنا نقد ذلك التقسيم ، وذلك العرض الذي عرضه السكاكي لعلوم البلاغة ، ثم لا نحاول محاولة جادّة تقديم بديل صالح للاستغناء عنه ، فإن هذا يعد دليلا ضمنيا بصحة ذلك التقسيم والعرض السكاكي لعلوم البلاغة ، ولما كان ذلك العرض السكاكي كالمجمع على رفضه والاعتراض عليه بين الباحثين ، وكان تقديمهم له واستعماله من باب الضرورة لحين ظهور البديل له ، فها نحن نقدم أطروحتنا لعرض بديل ، وخطة جديدة ، لا أزعم أنها هي الخطة المثلى للدرس البلاغي ، بقدر ما أزعم أنها مجرد محاولة للإصلاح ، أرجو من ورائها تخليص الدرس البلاغي من عثراته ، وإعانته على أداء رسالته الكبرى .